يُسجَّل في التجربة المغربية المعاصرة تحولٌ نوعي في مقاربة الدولة لقطاع الرياضة،حيث لم يعد يُنظر إلى كرة القدم وباقي الممارسات الرياضية باعتبارها أنشطة ترفيهية ظرفية،بل أضحت تُدرج ضمن السياسات العمومية ذات البعد الاستراتيجي،ما لها من أدوار متزايدة في مجالات التنمية البشرية،والاقتصادية، وتعزيز الحضور الدولي للمملكة.
وتندرج السياسة الرياضية الوطنية ضمن تصور شمولي يربط الرياضة بمختلف أوراش الإصلاح الكبرى،سواء في ما يتعلق بتأهيل البنيات التحتية،أو تطوير منظومات التكوين،أو تحسين آليات الحكامة والتسيير.ويعكس هذا التوجه انتقالاً من مقاربة تقليدية تقوم على التدبير الظرفي،إلى مقاربة هيكلية تعتبر الرياضة قطاعاً منتجاً للقيمة المضافة ومجالاً للاستثمار العمومي والخاص.
ومن منظور الرياضة كآلية لتعزيز التنمية البشرية،فقد أصبحت تحظى مسألة الاستثمار في العنصر البشري بمكانة مركزية في الرؤية المغربية لتطوير الرياضة، فمراكز التكوين والأكاديميات الرياضية لا تضطلع فقط بمهمة إعداد الرياضيين،بل تساهم أيضاً في ترسيخ قيم المواطنة والانضباط والعمل الجماعي،وتعزيز الإدماج الاجتماعي لفئات واسعة من الشباب.
و في هذا الإطار أضحت الرياضة تعتبر كأداة مكمّلة للمنظومة التربوية،ووسيلة ناجعة للوقاية من الهشاشة الاجتماعية ومظاهر الإقصاء.
فالقطاع الرياضي بالمغرب يشهد دينامية متنامية،جعلته يتحول تدريجياً إلى رافد من روافد الاقتصاد الوطني،سواء من حيث خلق فرص الشغل،أو تحفيز الاستثمار، أو دعم السياحة المرتبطة بالتظاهرات الرياضية الكبرى،كما أن تنظيم المملكة لعدد من التظاهرات القارية والدولية يندرج ضمن استراتيجية تهدف إلى تعزيز الجاذبية الترابية وترسيخ موقع المغرب كوجهة قادرة على احتضان كبرى الفعاليات وفق المعايير الدولية المعتمدة.
ففي سياق دولي يتسم بتعاظم أهمية القوة الناعمة،تكتسي الرياضة دوراً متزايداً في تعزيز الإشعاع الدولي للمغرب وتقوية حضوره داخل محيطه الإقليمي والقاري. وتساهم النتائج المحققة على المستوى القاري والدولي،إلى جانب جودة التنظيم وحسن الاستقبال،في ترسيخ صورة إيجابية عن المملكة كشريك موثوق وفاعل مسؤول ونموذج رياضي مستدام.
فالرؤية المغربية تقوم على اعتبار أن النتائج الرياضية،وعلى أهميتها،تظل جزءاً من مسار أشمل،يروم بناء نموذج وطني قوامه الاستدامة،والنجاعة،والربط بين الرياضة وأهداف التنمية الشاملة،وعليه،فإن الرهان الاستراتيجي لا ينحصر في حصد الألقاب،بقدر ما يتجسد في إرساء منظومة رياضية متكاملة تخدم المشروع التنموي للمملكة وتعزز مكانتها على المستويين الإقليمي والدولي.
ومن تم فالتجربة المغربية تؤكد أن الرياضة أضحت تشكل أحد مكونات السياسات العمومية الحديثة،وأداة فعالة لدعم التنمية البشرية والاقتصادية،ووسيلة لتعزيز الإشعاع الدولي.وهي مقاربة تعكس وعياً مؤسساتياً متقدماً بدور الرياضة في بناء صورة الدول وصناعة مكانتها في عالم متغير.
المقالات ذات الصلة
اترك تعليقاً

